ألغاز عظام ملكية عثر عليها تحت "موقف سيارات"!
بعد أن ظل قبر الملك ريتشارد الثالث مختفيا طوال خمسة قرون كاملة، حدث اكتشاف أثري مذهل وضع نهايةً لعمليات بحث طويلة.
المفارقة أن جثمان آخر ملوك إنجلترا من سلالة "بلانتاجنت" كان يرقد طوال هذه القرون في مكان متواضع لم يخطر على بال أحد، إنه موقف للسيارات في مدينة "ليستر" بوسط بريطانيا.
قام فريق علمي بقيادة البروفيسور توري كينغ من جامعة "ليستر" في عام 2013 بمقارنة الحمض النووي المستخرج من العظام المكتشفة تحت موقف السيارات مع الحمض النووي لأقارب الملك من نسل أخته، آن يورك. لم يترك العلماء شيئا للصدفة، فباستخدامهم أسلوب التحليل البايزي، وهو أسلوب إحصائي دقيق يعمل على تحسين التقديرات الاحتمالية عند ظهور أدلة جديدة، تأكد بنسبة 99.999 بالمئة أن هذه الرفات تعود بالفعل إلى ريتشارد الثالث.
عندما ظهر الهيكل العظمي للعيان، كانت التفاصيل مذهلة ومتوافقة تماما مع ما يُعرف عن الملك، هيكل شاب، به إصابات بالغة في الجمجمة تشير إلى ميتة عنيفة، ووضعية منحنية في الظهر تتطابق مع الصورة التاريخية المشهورة عنه.
نعم، لقد بالغ الشاعر العظيم ويليام شكسبير في وصفه بأنه "أحدب" و"ضفدع أعوج شرير"، لكن من الواضح أن هناك أساسا من الحقيقة وراء التوصيف. عندما رأى العلماء هذه العلامات، صرخوا مندهشين: "إنه ريتشارد!" ولكن في عالم العلم، لا مكان للعواطف والانطباعات، فالأدلة الملموسة هي وحدها التي تحكم. وكان الحمض النووي هو الدليل القاطع.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في انتظارهم. فبينما أكد خط الأنثوي عبر أخته تطابقا تاما، قرر العلماء تتبع خط الذكور عبر الكروموسوم "Y"، الذي ينتقل من الأب إلى الابن. وبما أن ريتشارد الثالث لم يخلف أبناء، لجأ العلماء إلى أحفاد سلالة بلانتاجنت من فروع أخرى. وهنا نزلت الصدمة كالصاعقة. لم يتطابق كروموسوم "Y" ريتشارد مع كروموسومات أقاربه الذكور!
ذلك يعني ببساطة أنه في مكان ما، وعلى امتداد شجرة العائلة المالكة العريقة، وُلد طفل من أب غير ذلك الذي يُفترض أن يكون. يسمي العلماء هذه الحالة بأدب "الأبوة الكاذبة"، لكن لو حدث هذا الأمر في ذلك الزمن، لثارت فضيحة ملكية مدوية.
لا أحد يعرف بالضبط أين حدث هذا "الخلل" في السلالة. هل كان في عهد إدوارد الثالث؟ أم في عهد ريتشارد نفسه؟ الحقيقة التي لا شك فيها أن "الدم الأزرق" الذي تبارت عليه العائلات المالكة، وتقاتلت من أجل نقائه، وارتكبت الحروب والمؤامرات باسم شرعيته، لم يكن نقيا بالصورة التي ادعوها.
تخيلوا أن حرب الوردتين الطويلة والدامية، التي دارت رحاها حول أحقية العرش، ربما كانت مبنية على وهم! فالسلالة بأكملها قد تكون انقطعت بسبب علاقة سرية في لحظة ما من التاريخ. هذا يعني أن سلالة تيودور الشهيرة، بما فيها هنري الثامن وإليزابيث الأولى، قد تكون انحدرت من سلف غير ملكي في أحد الخطوط. كشفت الدراسة عن سلسلة من الخيانات والخروقات في نسيج النسب الملكي، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول شرعية بعض الادعاءات التاريخية.
لم تتوقف الاكتشافات عند هذا الحد، فتحليل الحمض النووي سمح للعلماء بتشكيل صورة تقريبية لمظهر ريتشارد الثالث، حيث أظهر النتائج أنه كان على الأرجح صاحب عيون زرقاء بنسبة احتمال 96 بالمئة، وشعر أشقر بنسبة 77 بالمئة.
ريتشارد الثالث، الذي حكم إنجلترا بين عامي 1483 و1485، كان الابن الرابع لدوق يورك، واشتهر كمحارب ومخطط بارع. تولى قيادة الجيش في عهد أخيه إدوارد الرابع، ثم أصبح وصيا على العرش لابن أخيه إدوارد الخامس، قبل أن يخلعه مع أخيه ويعلن نفسه ملكا. لكن حكمه لم يدم سوى عامين، حيث لقي حتفه في معركة "بوسورث فيلد" وهو يقاتل منافسه هنري تيودور، الذي أصبح لاحقا الملك هنري السابع، منهيا بذلك حرب الوردتين.
يشير الكثير من المؤرخين إلى أن هزيمته في المعركة وطريقة وفاته كانتا السبب وراء تشويه سمعته التاريخية ووصفه بفظائع ربما كان بريئا منها، مثل اتهامه بقتل هنري السادس وإدوارد الخامس وشقيقه، وتسميم زوجته آن، بل وقتل شقيقه دوق كلارنس.
لكن العلم اليوم، بعد كل هذه القرون، لا يكتفي بإعادة اكتشاف جسده، بل يضع بين أيدينا أدلة تثير تساؤلات أعمق حول حقيقة النسب الملكي وتاريخ السلالات التي شكلت عالمنا. إنها قصة تبدأ تحت موقف سيارات عادي، لتنتهي بإعادة كتابة فصول من تاريخ إنجلترا، لتثبت مرة أخرى أن الحقيقة غالبا ما تكون أغرب من الخيال، وأكثر إثارة من أي رواية أدبية.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
بعد 17 يوما.. خرجت "ريشما" من تحت الركام!
في الرابع والعشرين من أبريل عام 2013، شهدت مدينة "سافار" في بنغلاديش واحدة من أكثر الكوارث الصناعية فداحة ودموية في التاريخ الحديث.
مشروع "بلهاء ماكنمارا..هل يمكن اختزال هزيمة استراتيجية في معادلة رياضية بسيطة؟
كان روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي إبان حرب فيتنام والمعروف بأنه مهندسها، يعتمد في تقييم مسار الحرب ونجاحها بشكل شبه حصري على "عدد القتلى".
"ارقصوا هنا!" بين جدران "أيقونة الرعب" في فرنسا!
بأمر من ملك فرنسا شارل الخامس، وُضع في 22 أبريل 1370 حجر الأساس لحصن الباستيل، التي صُممت أسواره لحماية باريس من الهجمات الإنجليزية خلال حرب المائة عام.
اختطاف النساء وميلاد مدينة!
تقول أسطورة مليئة بالإثارة إن رومولوس وريموس أسسا مدينة جديدة على ضفاف نهر التيبر في 21 أبريل 753 قبل الميلاد، أصبحت فيما بعد تعرف باسم "روما".
القذافي وقصة "الشيخ زبير" المثيرة!
توفي الكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير في 23 أبريل 1616، وهو التاريخ الذي يصادف تقليديا يوم ميلاده، تاركاً إرثا ضخما يُعد استثنائياً في الأدب العالمي.
التعليقات